محمود سالم محمد
272
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
يقوم به الناس كلهم حسب مقدرتهم ، فإذا كان الشعراء قادرين على تسجيل توسلهم بالنبي ، فإن غيرهم يمكن أن يقوموا بذلك خلال زيارة قبر رسول اللّه ، وطلب الشفاعة عنده ، ومثال ذلك ما قاله ابن خطيب داريا « 1 » في مدحة نبوية : يا من يروم النّجا في يوم محشره * كن يا أخيّ عن العصيان منعزلا وأقصد حمى طيبة وانزل بساحتها * ما خاب من في حمى المختار قد نزلا « 2 » وتردّد صدى هذه الدعوة في المديح النبوي ، فعبّر شعراؤه عن شوقهم لزيارة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعن غرضهم من الزيارة ، فإذا ما حرم الشاعر من زيارة قبر رسول اللّه لسبب من الأسباب ، أرسل مدحته النبوية إلى الروضة الشريفة ، تحمل توسله واستجارته بالنبي الأمين ، مثلما فعل لسان الدين بن الخطيب حين قال : فإن أحرم زيارته بجسمي * فلم أحرم زيارته بقلبي فدونك يا رسول اللّه منّي * تحيّة مؤمن وهدى محبّ « 3 » فالتوسل برسول اللّه وطلب شفاعته أخذ حيّزا مهمّا من المدحة النبوية ، واحتفل له شعراء المديح النبوي وكأنهم جعلوه الغاية من نبوياتهم ، وما يريدونه لأنفسهم من وراء مديحهم للنبي الكريم ، فاقتصر بعض الشعراء في بعض قصائدهم النبوية على التشفع برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وطلب غوثه وعونه ، والصلاة عليه ، وسمي هذا النوع من المديح النبوي الوسيلة ، التي انتشرت في وقت متأخر من العصر المملوكي ، وخاصة عند المتصوفة ، ومن ذلك وسيلة لأبي الحسين الأهدل « 4 » ، بدأها بقوله :
--> ( 1 ) ابن خطيب داريا : محمد بن أحمد بن سليمان الأنصاري الدمشقي أديب شاعر له تصانيف ، توفي ( 810 ه ) . السخاوي : الضوء اللامع 6 / 310 . ( 2 ) المجموعة النبهانية : 3 / 369 . ( 3 ) المقري : أزهار الرياض 3 / 148 . ( 4 ) الأهدل : الحسين بن الصديق ، فقيه حذق علوما كثيرة ، وجاور في مكة والمدينة ، توفي سنة ( 903 ه ) . العيدروسي : النور السافر ص 26 .